الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

530

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

الحساب والهندسة والإسطرلاب والهيئة على الفاضل الشيخ محمد قسيم وكمل عليه المادة على العادة ، فرجع إلى وطنه وقد فاق أبناء زمنه ، ما سأل عن عويصة إلا وحلّها ولا عن مشكلة إلا وأزال إشكالها . وله الصيت العظيم في العلوم المنطوق منها والمفهوم . وقد مدحه علماء عصره بذلك وأقروا بفضله ، ولم ينكروا ما هنالك . ولما بلغ قدّس سرّه من علوم الظاهر الغاية ، ونصب للتدريس والإفادة أرفع راية ، اشتاق قلبه إلى تحصيل المعارف اليقينية والعلوم اللدنية من صحبة أرباب القلوب وطلب الدلالة عليهم من علام الغيوب لتيقنه أن الاقتصار على الأولى من غاية القصور ، وأن الكمال إنما هو في الجمع بينهما حسب المقدور ، فصار يبحث عن أحوال أهل الكمال ويفتش عن أوصاف رجال الحال ، حتى توجه في أثناء ذلك بماله الحلال إلى بيت اللّه الحرام ومدينة النبي عليه الصلاة والسلام رجاء أن يظفر ببغيته ويفوز بمنيته . وتعدّى في مسيره ذلك من الشام ، فاجتمع بها بمحدث عصره العلامة محمد الكزبري ، فأجازه العلامة المذكور بجميع مروياته . واجتمع أيضا بالشيخ مصطفى الكردي فأجازه أيضا بجميع إجازاته الحديثية وبالطريقة العلية القادرية . ثم خرج من الشام فلما وصل إلى مدينة الحبيب محط آمال كل أريب وأديب ، جعل يفتش عمن يصلح للإرشاد ويرشد إلى طريق الصلاح والسداد ، قال قدّس سرّه : فلقيت فيها شخصا من أهل اليمن تلوح فيه آثار البركة واليمن وعليه سيماء الصالحين والعلماء العاملين ، فاستنصحته استنصاح الجاهل المقصر من العالم المنتصر ، فنصحني بأمور من جملتها ما قال : إياك والمبادرة إلى الإنكار على ما تراه في مكة المكرمة من الأفعال الصادرة من القاطنين بها أو من الزوار وإن خالف في بادىء النظر ظاهر حاله ظاهر أقوال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأفعاله . فلما وصلت إلى مكة المكرمة الشريفة وزرت الكعبة المعظمة المنيفة ، بكّرت يوم الجمعة إلى الحرم لأكون كمن تصدّق ببدنة من النعم ، فجلست مستقبل الكعبة الغراء أقرأ « دلائل الخيرات » إذ الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أعظم القربات ، فرأيت رجلا ذا لحية بيضاء كالثغام وعليه زي العوام من الأنام قد أسند إلى الشاذروان ظهره ووجّه نحوي وجهه ، بل فكره . فحدّثتني نفسي : إن هذا الرجل لا يتأدب مع الكعبة ولا يراقب في ذلك ربه ، ولم أظهر له ما وقع في الضمير ولم يطلع عليه سوى